عمر السهروردي

72

عوارف المعارف

وأيضا لأن لبس الصوف حكم ظاهر على الظاهر من أمرهم ، ونسبتهم إلى أمر آخر من حال أو مقام أمر باطن ، والحكم بالظاهر أوفق وأولى . فالقول : بأنهم سموا صوفية للبسهم الصوف أليق وأقرب إلى الوضع . ويقرب أن يقال : لما آثروا الذبول والخمول ، والتواضع والانكسار ، والتخفي والتواري ، كانوا كالخرقة الملقاة ، والصوفة المرمية التي لا يرغب فيه ، ولا يلتفت إليها ، فيقال صوفي نسبة إلى الصوفة . كما يقال كوفي نسبة إلى الكوفة . وهذا ما ذكره بعض أهل العلم ، والمعنى المقصود به قريب ، ويلائم الاشتقاق ، ولم يزل لبس الصوف اختيار الصالحين والزهاد ، والمتقشفين والعباد . أخبرنا أبو زرعة طاهر ، عن أبيه قال : أنا عبد الرازق بن عبد الكريم ، قال : أنا أبو الحسن محمد بن محمد ، قال : حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد ، قال : حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : حدثنا خلف بن خليفة ، عن حميد بن الأعرج ، عن عبد اللّه بن الحارث عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يوم كلم اللّه تعالى موسى عليه السلام كان عليه جبة صوف ، وسراويل صوف ، وكساء صوف ، وكمه من صوف ، ونعلاه من جلد حمار غير مذكي » . وقيل : سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي اللّه عز وجل لارتفاع همهم ، وإقبالهم على اللّه تعالى بقلوبهم ، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه . وقيل : كان هذا الاسم في الأصل صفوى فاستثقل ذلك وجعل صوفيا . وقيل سموا صوفية نسبة إلى الصفة التي كانت لفقراء المهاجرين على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذين قال تعالى فيهم لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ( 273 ) « 1 » .

--> ( 1 ) سورة البقرة آية : 273 .